المقريزي
229
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
فيه ، إلّا أنه لم يرزق سعادة في هذا الوقت ، فلم يصغ السلطان إلى قوله وسار فانفض المجلس على غير شيء ، وصعد السلطان إلى قلعة الجبل ، ثم بعد أيام سأل السلطان عن وقف المارستان وأحب أن يجدّد له وقفا من بلاد عكا التي افتتحها بسيفه ، فاستدعى القضاة وشاورهم فيما همّ به من ذلك ، فرغّبوه فيه وحثوه على المبادرة إليه ، فعين أربع ضياع من ضياع عكار وصور ليقفها على مصالح المدرسة والقبة المنصورية ما تحتاج إليه من ثمن زيت وشمع ومصابيح وبسط وكلفة الساقية ، وعلى خمسين مقرئا يرتبون لقراءة القرآن الكريم بالقبة ، وإمام راتب يصلّى بالناس الصلوات الخمس في محراب القبة ، وستة خدّام يقيمون بالقبة ، وهي الكابرة وتل الشيوخ وكردانة وضواحيها من عكا ومن ساحل صور معركة وصدفين ، وكتب بذلك كتاب وقف وجعل النظر في ذلك لوزيره الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس . فلما تمّ ذلك تقدّم بعمل مجتمع بالقبة لقراءة ختمة كريمة . وذلك ليلة الاثنين رابع ذي القعدة سنة تسعين وستمائة ، فاجتمع القرّاء والوعاظ والمشايخ والفقراء والقضاة لذلك ، وخلع على عامة أرباب الوظائف والوعاظ ، وفرّقت في الناس صدقات جمة وعمل مهم عظيم احتفل فيه الوزير احتفالا زائدا ، وبات الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة والأمير الوزير شمس الدين محمد بن السلعوس بالقبة ، وحضر السلطان ومعه الخليفة الحاكم بأمر اللّه أحمد وعليه سواده ، فخطب الخليفة خطبة بليغة حرّض فيها على أخذ العراق من التتار ، فلما فرغ من المهمّ أفاض السلطان على الوزير تشريفا سنيا ، وفي يوم الخميس حادي عشر ربيع الأوّل سنة إحدى وتسعين وستمائة ، اجتمع القرّاء والوعاظ والفقهاء والأعيان بالقبة المنصورية لقراءة ختمة شريفة ، ونزل السلطان الملك الأشرف وتصدّق بمال كثير ، وآخر من نزل إلى القبة المنصورية من ملوك بني قلاون السلطان الملك الناصر حسن بن محمد بن قلاون في سنة إحدى وستين وسبعمائة ، وحضر عنده بالقبة مشايخ العلم وبحثوا في العلم ، وزار قبر أبيه وجدّه ، ثم خرج فنظر في أمر المرضى بالمارستان وتوجه إلى قلعة الجبل . هذه المدرسة بجوار القبة المنصورية من شرقيها ، كان موضعها حمّاما ، فأمر السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصوريّ بإنشاء مدرسة موضعها ، فابتدىء في عملها ووضع أساسها وارتفع بناؤها عن الأرض إلى نحو الطراز المذهب الذي بظاهرها ، فكان من خلعه ما كان ، فلما عاد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون إلى مملكة مصر ، في سنة ثمان وتسعين وستمائة ، أمر بإتمامها ، فكملت في سنة ثلاث وسبعمائة ، وهي من أجلّ مباني القاهرة ، وبابها من أعجب ما عملته أيدي بني آدم ، فإنه من الرخام الأبيض البديع الزيّ . الفائق الصناعة ، ونقل إلى القاهرة من مدينة عكا ، وذلك أن الملك الأشرف خليل بن قلاون لما فتح عكا عنوة في سابع عشر جمادى الأولى ، سنة تسعين وستمائة ، أقام الأمير علم